ملا محمد مهدي النراقي
102
جامع السعادات
الأجود والأحب والأبعد عن الشبهة ، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإخراج غير الجيد سوء أدب بالنسبة إلى الله ، إذ إمساك الجيد لنفسه وأهله ، وإنفاق الردئ في سبيل الله ، يوجب إيثار غير الله وترجيحه عليه ، ولو فعل هذا لضيف وقدم إليه أردأ طعام في البيت لانكسر قلبه ووغر به صدره . هذا إذا كان نظره إلى الله بأن يتصدق لوجه الله ، من غير ملاحظة عوض لنفسه في دار الآخرة ، وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة ، فلا ريب في أن العاقل لا يؤثر غيره على نفسه ، وليس له من ماله إلا ما تصدق فأبقى ، وأكل فأفنى . ولعظم فائدة إنفاق الأجود الأحب ، وقبح إنفاق الردئ الأخس ، قال الله تعالى : " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " ( 3 ) : أي لا تأخذونه إلا مع كراهية وحياء ، وهو معنى الإغماض ، وما هذا شأنه عندكم فلا تؤثروا به ربكم . وقال سبحانه : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ! " . ( 4 ) وقال : " ويجعلون لله ما يكرهون " ( 5 ) . وفي الخبر : " سبق درهم مائة ألف درهم " . وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده ، فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبذل وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله ، فيدل على أنه ليس يؤثر الله بشئ مما يحبه . ومما ينبغي له أن يغني الفقير إذا قدر ، ففي الخبر إذا أعطيته فأغنه ، وأن يقبل يده بعد الاعطاء ، لأنه يقع في يد الله تعالى أولا . قال أمير المؤمنين ( ع ) : " إذا ناولتم السائل فليرد الذي ناوله يده إلى فيه فيقبلها ، فإن الله عز وجل يأخذ الصدقات " . وقال النبي ( ص ) : " ما تقع صدقة المؤمن في يد السائل حتى تقع في يد الله " ، ثم تلا هذه الآية :
--> ( 3 ) البقرة ، الآية : 267 . ( 4 ) آل عمران ، الآية : 92 . ( 5 ) النحل ، الآية : 62 .